الغزالي

72

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

وعلامة سكر السلطان أن يسلم وزارته إلى محتاج معوز ثم يستديمه ويتمسّك به إلى أن تزول حاجته ، وتنقضي فاقته ، ثم يعزله وينصب غيره ؛ فيكون مثله مثل من يربي طفلا صغيرا إلى أن يصير بالغا كبيرا يصلح للأشغال ، وإمضاء الأعمال ، ثم يقتله ويستأصله . قيل : أربعة أشياء على الملوك من جملة الفرائض وهي : إبعاد الأدنياء عن مملكتهم ، وعمارة المملكة بتقريب العقلاء ، وحفظ المشايخ وأولي الحكمة والتجربة ، والزيادة في أمر الملك بالإقلال من الأعمال المذمومة . إشارة لطيفة : لمّا تولى الأمر عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري ؛ أن أعنّي بأصحابك ؛ فكتب إليه الحسن البصري : أمّا طالب الدّنيا فلا ينصح لك ، وأمّا طالب الآخرة فلا يرغب فيك ، ولا يجوز للسلطان أن يسلم وزارته ولا عملا من أعماله إلى من ليس بأهل ، فإن سلم الأعمال إلى ذلك الرجل فقد أفسد ملكه وظهر له الخلل الوافر من كل وجه ومن كل جانب . كما قال الشاعر : البيت إذا ما حان منه خرابه * ظهر التخلخل من أساس الحائط وإذا تولى الملك غير رجاله * ولوا الأمور لكلّ فدم ساقط وينبغي لمن خدم الملوك أن يكون كما قال الشاعر : إذا خدمت الملوك فالبس * من التوقي أعزّ ملبس وادخل إذا ما دخلت أعمى * واخرج إذا ما خرجت أخرس وأمّا من تبسّط مع السلطان فقد ظلم نفسه ولو كان ولد السلطان ، فليس للانبساط معهم في خدمتهم وجه كقول الشاعر : إذا كنت للسلطان نجلا فداره * وخف منه إن أحببت رأسك تسلم ومثل من تبسّط مع السلطان كمثل الحوّاء الذي يكون دهره مع الحيات يأكل معها وينام معها ، أو كرجل في البحر بين التماسيح التي تبلع الناس فلا يزال مخاطرا . حكمة : قيل : ويل لمن ابتلي بصحبة السلاطين ! فإنهم ليس لهم صديق ولا قرابة ولا خادم ولا ولد ولا احترام لأحد ، إلّا من كانوا محتاجين إليه لعلمه أو لشجاعته ، فإذا أخذوا حاجتهم منه لم يبق لهم عنده مودّة ، ولم يبق له عندهم وفاء ولا حياء . وأكثر